قام الغبي من رقدته بعد خروج الرجل المَهيب، وتمتم باللعنات وهو يمشي ببطء نحو النافذة الواسعة رفع رأسه نحو السماء وهمس ساخطا: لماذا خلقتني خُنثى؟ كيف تريدني أن أصلي لك وقد خلقتني مسخاً مُشوهاً؟ لن أصلي لك ما حييتُ وسأكفر بك سراًوجهراً، سأغلق كل أماكن العبادة كي لا يعبدك أحد، ، سمع طرقاً على الباب فالتفت قائلاً: أدخل.. جاء ربيع يُبلغه أن الحبر إليشع وصل ويريدُ رؤيته، قذف الجرس النحاسي عليه غاضباً فشج رأسه، أمسك ربيع برأسه وهو يمسح الدماء التي سالت من جبينه، وقال متأوهاً: ما ذنبي أنا ياسيدي؟ قال الغبي: هيا أحضره إلى غرفتي وقل له أنني مُتعب، عاد ربيع بعد قليل ومعه الحبر، انحنى أمامهما وغادر الغُرفة. إقترب الحبرُ من الغبي وهمس: لقد سمعتُ أنك تنزف فأتيتُ لأطمئن عليك، كيف حالك الآن؟ همس الغبي بدوره: أشعر بآلالم رهيبة في ظهري تُنغص علي يومي ونومي، لا أعرفُ ماذا أفعل؟ مسح الحبرُ على رأسه وهو يتمتم ببعض الكلمات العبرية، أخذ بيده إلى السرير الواسع وقال وقد احمرّ وجهه إثارة: لقد طلبت من سميراميس أن تُخلي لنا الغرفة، اليوم أنا من سأقوم معك بالواجب، هيا ارقد على ظهرك فقد اشتقتُ إليك.. إستيقظ الغبي وهو يشعرُ بالراحة نظر حوله كانت الشمس قد قاربت على الشروق، هز الجرس المعدني عدة مراتٍ، جاء على أثرها ربيع وهو يحمل طعام الإفطار لسيده، وانحنى وهو يقول: لقد وصل الرجل المَهيبُ يا سيدي، وقد طلب مني عدم إيقاظك، هل أطلب منه المجيء إلى هنا؟ هز الغبي رأسه موافقاً وهو يتساءل عن سر قدومه المُبكر، لحظات مرت كالدهر ولمح ضيفه مُبتسماً فانفرجت أساريره مُرحباً به، جلس المَهيب إلى المكتب وهو ينظر للغبي راقداً على ظهره، ابتسم له وقال: لقد قام بعض أعواني منذ يومين بإشاعة خبر سفرك المُفاجئ على رأس حامية للدفاع عن بابل، وأنك قد تغيبُ في هذه المهمة الجليلة أربعة أشهر، وحتى ذلك الوقت ستبقى مُختفيا عن أعين الناس إلى أن تضع حملك، قاطعه الغبي فرحاً: شكراً لك ياسيدي أنا.. رفع المَهيب يده أن اسكت وأكمل: إنك لن تبقى راقداً طوال هذه الشهور دون عمل، سأكلفك بمهمة ستُكرس لها جُل وقتك، ستُعيد كتابة بعض المخطوطات، وأعتقدُ أنها مهمة غير مُتعبة لك، ستظل راقدا في سريرك إلى أن تنتهي منها قبيل ولادتك، هل فهمتني جيداً أيها الغبي؟ هز الغبي رأسه وقال بصوته الرفيع: أنا تحت أقدامكم يا سيدي لن أنسى معروفك هذا ما حييتُ، فأنا فعلا أحتاج للراحة، قاطعه قائلا: إحرص على ألا تخرج إلى حديقة القصر، فلن يعرف أحدُ أنك هنا سوى سميراميس وربيع، وابتسم ساخراً وأكمل: وطبعا الحبر الحبيب إليشع، هل فهمت؟ هز الغبي رأسه وقال: نعم يا سيدي، لقد فهمتُ تقصد أن أبقى مُختفياً ليظن الناس أني لستُ هنا. ناوله المهيب بعض المخطوطات وقال بلهجة حازمة: احرص على ألا تقع هذه المخطوطات في يد أحد، هل فهمت؟ إنها سّرية للغاية، همس الغبي: أمرك ياسيدي، لن أدعها تغيب عن عيني لحظة واحدة، نهض المَهيب مُتجهاً إلى الباب وقال: ابدأ بالكتابة فوراً بعد رحيلي، وسأعود غداً لأُراجع معك ما كتبت. استدركه الغبي قائلا: ماذا أكتب؟ تأفف المهيب في ضجر ويأس واضحين ثم أمسك أذن الغبي بين إصبعيه فقرصها بشدة، وأبقاها بين إصبعيه، والغبي يتقافز من الألم: إسمع وحاول أن تعي ما أقول أيها الحمار.. هذه المخطوطات هي التوراة الأصلية، بها عبارات وضعت أنا تحتها خطوطا واضحة، إستبدلها بعبارات من اختراعك غبية مثلك، فمثلا؛ في الأسفار الأولى ستجد مثلا قصة آدم ونوح وإبراهيم ويعقوب ولوط، كل واحد منهم أريدك أن تخرّب قصته، أكتب مكانها أي شيء، مثلا أكتب أن الله تعب بعد أن خلق السماوات والأرض، واكتب أن نوحا سكير، واكتب أنه دعا على الكنعانيين أن يصبحوا عبيدا لنا أبناء سام، وإبراهيم تنازل عن زوجته ساراي لملك مصر، ويعقوب صارع الله وغلبه، ولوط نكح ابنتيه وحملتا منه سِفاحا، ولا تنس أن تمحو أي ذكر لنبي اسمه أحمد، إحذف كل ذِكر للآخرة، أُمحُ كل أسماء الله الحسنى وصِفْهُ بصفات البشر، وأضِف، كل (واو) تدل على العطف، أضف إليها (ألِف) فتصبح (أو).. مجِّد الرعاة، وحقِّر المزارعين، ففي يوم من الأيام يجب أن يتنازل المزارعون عن أرضهم للرعاة.. إخترع بغبائك قصصا وهمية، وحكايات أسطورية.. أريدك أن تستخدم غباءك وحماريتك في إعادة كتابة هذه الصحائف.. ترك المهيب أذن الغبي الذي وضع يده عليها وهو يتأوه: ألن تقول لي لماذا أفعل ذلك؟ أيها الحمار الأبله؛ يجب أن تفخر ببلاهتك وحماريتك، فبمجرد أن تنتهي مهمتك سنعدم الصحائف الأصلية، ويصبح ما كتبت هو التوراة المعتمدة، بكل ما كتبته أنت فيها من خرافات، سينسبها الجهلاء إلى الله.. أرأيت ؟ لقد جعلت منك إلها تخرج الحكمة من فمه، ويؤمن بما خطّت حوافرُك الأغبياء حتى آخر الزمان.. وأطلق ضحكة تردد صداها في الغرفة..
مجد خلف

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق