يتم التشغيل بواسطة Blogger.

السبت، 30 أغسطس 2014

الحلقة (15) من قصة الغبي يحكم بابل

جلس الغبي على مكتبه وهو يتحسس بطنه الكبيرة، أضاء المصباح الزيتي ثم أمسك بالصحائف السرية بين يديه يقرأ فيها دون أن يفهم حرفاً واحداً، تذكر قول الرجل المَهيب له أن يغير بعض الحروف أو يزيد بعضها إلى أوائل الكلمات قلّب عينيه الضيقتين بين السطور، وحيثما وجد حرف الواو بين كلمتين؛ أضاف إليه حرف (ألف) فتصبح (أو)


لم يدر كم من الوقت مر عليه فقد أحس بعينيه تؤلمانه، التفت نحو سميراميس كانت تغُطّ في نوم عميق، فكر في إيقاظها وسؤالها عما استعصى عليه فهمه، لكنه تذكر أنه يجب أن يُخفي عن الجميع ما يفعل حتى عن زوجته، أحس بركلات الجنين وضع يده على بطنه هامساً: ولدي الحبيب كم أنا متشوق لرؤياك، هانت لم يبق سوى بضعة أشهر وسأحملك بين يدي هاتين وأدللّك كما لم يفعل أبي، تذكر أنه لم ير أباه أبدا بل هو حتى لا يعرف اسمه، تقلبت سميراميس وهي تبحث بيديها عنه، ثم همست: أأنت هنا يا زوجي العظيم؟ قال لها: أنا هنا طبعاً، أين سأكون في مثل هذا الوقت؟ عودي إلى النوم فالشمس لم تشرق بعد، قالت له بدلال: تعال كي أدلك لك ظهرك بالزيت المُحبب إليك، أطاعها وهو يمشي ببطء نحو السرير الواسع، قال لها: لن أتمدد على بطني سأبقى جالساً واستدرك: كيلا أشعر بالكسل، جلس بجوارها وناولها زجاجة الزيت، قبلت كتفه وقالت: كما تريد أيها الملك العظيم، تسللت بيديها الرقيقتين نحو بطنه وقالت ضاحكة: يبدو أن ملك بابل قد ازداد وزنه، أبعد يديها غاضبا ووقف قائلا: نعم لقد ازداد وزني وماذا في ذلك؟ عودي إلى النوم فلدي عمل لا ينتهي، همست بصوت حزين: هل أغضبتك بسؤالي؟ نظر إلى وجهها الجميل وقد هدأ غضبه وقال: لا يازوجتي الرقيقة، لكني يجب أن أنهي مابدأتُ به، تمتمت: سأنام قليلا كيلا أزعجك. لم يُجبها وعاد إلى قراءة الصحائف بتمهل علّه يفهم شيئا مما يقرأ، واستغرق في الكتابة وحذف كل ما كُتب عن وحدانية الله، حتى وصل لما استعصى عليه فهمه المحدود، قرأ دون أن يعي ما يقرأ: يا بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ،ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، حدث نفسه: ماذا سأضيف لهذه إنها تبدأ بالياء؟ سأتركها كما هي إلى أن يأتي المَهيب لأسأله عنها، أطفأ المصباح ، واتجه إلى الحمام غسل وجهه وبدّل ثيابه ووقف يتأمل وجهه كعادته وهو يخاطب نفسه: أنا ملك بابل العظيم، من كان يصدق أن أصل إلى ما أنا فيه من العز والثراء والسُلطة؟ كم أنا محظوظ، سمع قرعاً على باب غرفته خرج بتؤدة قائلاً: ادخل، دخل ربيع حاملاً طعام الإفطار لسيده وانحنى له قائلاً: لقد وصل الرجل المَهيب ياسيدي، وهو بانتظارك في نفس المكان، تناول الغبي إفطاره سريعاً وذهب إلى ضيفه المُهم وهو يحمل تحت إبطه الصحائف. حياه المَهيب وقد رسم على وجهه ابتسامة باهتة وقال: تعال أرني ماذا كتبت حتى الآن؟ مد له يده بما يحمل تناولها المهيب وهو يقرأ ثم قال له غاضباً: - ألم آمرك أيها الحمار أن تبدّل كلمات هذه الصحائف؟ لماذا لم تنفذ أمري؟ - بل نفذت قدر إمكاني وفهمي، ولكني لم أفهم هذه الآية فلم أغير فيها حتى أستشيرك. سأقول لك أيها الحمار مع تأكدي أن لن تفهم.. هذه كلمات الله عنا، يقول أننا أفسدنا في الأرض، فسلّط علينا عبادا له فأذلونا وأسروا أحياءنا وقتلوا رجالنا ونساءنا وأطفالنا، فهل تصدّق ذلك ؟ يجب أن تُمحى هذه الكلمات حتى لا يصبح لها أثر بعد اليوم.. يدّعي الله أننا مفسدون وأنه سيعاقبنا بأن ينتصر علينا قومٌ آخرون ذوو بأس شديد.. فإن كنا نحن مفسدين فمن المصلح؟ إننا نريد أن نقيم مملكة الرب يهوه في بيت المقدس ونعود إليها لنتسيد العالم، ولن نستسلم لمثل هذه الأقوال المكتوبة في توراة موسى عن ربه كما زعم، يجب أن نزيل هذه الكلمات ونضع مكانها أننا شعب الله المختار، وأن أرض فلسطين لنا بوعد من الله، كي تسير الأمور كما نريد، ونبعد عن أنفسنا شبح النهاية البائسة التي يتوعدنا الله بها..هل فهمت أيها الغبي؟ رددّ كالحمار: فهمت.. فهمت. أكمل المَهيب: لا أعتقد أنك فهمت شيئاً، إجلس واكتب ما سأمليه عليك، أطاعه الغبي دون أن ينبس بحرف، قال المَهيب بعد تفكر: لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي، قرأ المَهيب ما كتبه الغبي وهو يهزُ رأسه راضياً ثم قال: ويجب أن تبحث أيضا عن المواضع التي قال الله فيها عن نفسه أنه كريم على صفة العموم؛ لتجعله كريماً مع بني إسرائيل فقط وبذلك تصف بالضبط ما نريد أن يفعله الله بقومنا؛ نجعله كريمٌ معنا بخيل على غيرنا .. قال الغبي: ثم ماذا يا سيدي؟ أجابه بنفاد صبر: تستبدل كلمة الله بالرب، وأي عبارة وردت عن تفرده أو وحدانيته؛ أزِلها ومزقها، وضع مكانها (عزير ابن الله).. ألم يقل عن نفسه أنه لم يلد ؟ لا.. ستكتب بحوافرك أن عزير ابنه كي يشك الناس في وحدانيته وأنه ليس كمثله شيء؛ وسيصدق الناس حاضراً ومُستقبلاً كل ما كتبنا وهم يظنون أنه كلام الرب نفسه، سكت قليلاً ثم نظر إليه قائلاً: سيأتي الحبرُ إليشع لزيارتك كما أخبرني أمس، سيساعدك في تغيير نصوص التوارة، ضحك وهو يقول: لا تقلق، سيفعل ذلك طبعا بعد أن يختلي بك، سأذهب الآن وأعود غداً في مثل هذا الوقت، ثم قال ساخراً: وإن استعًصى عليك أمرٌ فاسأل حبيبك الحبر إليشع.
بقلم: مجد خلف


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

تطوير : مدونة حكمات