
استيقظ الغبي وهو يشعر بالآم مُبرّحة في بطنه، كان نور القمر يملأ غُرفته ضياءً، كانت سميرامس مستغرقة في نوم عميق، مشى على أطراف أصابعه خوفاً من إيقاظها، ـأغلق باب الحمام وراءه نظر إلى المرآة يطالع إنعكاس وجهه كعادته، لكنه لحظ تلوث ثوبه بالدماء، ارتاع هلعاً وعض أصابعه غيظاً وهو يلعن الرجل المَهيب في سره: عليه اللعنة، فهو يعرف أني حامل ورغم ذلك كلفني بهذه المهمة المُتعبة؛ لكني حمار لأني أطعته، كان يجب أن أرتاح، جلس على كرسي قريب شعر بانقباضات رهيبة وضع يده على فمه كيلا يصرخ ألماً، تسلل بهدوء وتناول ثوباً نظيفاً اغتسل وبدّل الملابس المُلوثة بالدماء وهو يعض على نواجذه رُعباً على حمله، غداً لن أترك سريري سأتعلّل بأني مريض، سأبقى طوال اليوم مستلقياً على ظهري وإن طبقت السماء على الأرض، لا أريد أن أفقد جنيني الغالي، وإن لم يعجب ذلك الرجل المَهيب، أخفى ملابسه المتسخة وعاد إلى سريره. استيقظ صباحا على قُبلات زوجته، نظر إلى وجهها الجميل وقال: ما الذي أيقظك في هذا الوقت المُبكر أيتها الزوجة النشيطة؟ أجابته بدلال: لقد سمعتك تتأوه مراراً لكني خفتُ أن أوقظك، أحس بالبلل نظر تحته كانت بقعة كبيرة من الدماء قد بللت السرير، حاول إخفاءها ورفع الغطاء حتى صدره، تذكر أنها عمياء فتنهّد وسمعها تقول: هل تريدُ أن آمر بإحضار طعام الإفطار لك هنا في السرير أيها الملك العظيم؟ همس بصوته الرفيع: نعم فأنا أشعر بتعب شديد اطلبي من ربيع أن يأتيني بالإفطار، تحسست طريقها نحو المكتب تناولت الجرس الحديدي لتستدعي الخادم، ثم قالت له بصوتها المُثير: الليلة سأدلك لك ظهرك بالزيت الذي تُحبه، كي تنام بعمق، أكملت دون أن تنتظر جوابه: سأذهب إلى الغُرفة المُخصصة للضيوف كي أنام قليلاً فقد أرّقني صوت تأوهاتك ولم أنم جيداً، انتظر حتى غادرت ورفع الغطاء كانت بقعة كبيرة من الدماء تلوث السرير، دخل ربيع بعد أن طرق الباب ووضع صينية الإفطار وغادر دون أن يرفع عينيه إلى الغبي أو ينبس بحرف. تناول الغبي إفطاره دون شهية كان يشعر بالقلق الذي يتزايد مع تزايد انقباضات الرحم، لم يدرِ ماذا يفعل، استلقى على ظهره أخفى وجهه بالوسادة وبكى كما لم يبك من قبل، سمع دقاتٍ على الباب قال وهو يمسح دموعه: ادخل، خطى الرجل المهَيب داخل الغُرفة وأغلق الباب وراءه، اقترب منه قائلا: مابك؟ لم لم تأتني كعادتك ككل صباح؟ أجهش ثانية بالبكاء ولم يستطع أن يتمالك نفسه وقال بصوت أنثوي: لقد أتعبني السفر ياسيدي، أنا أنزف دماً، لم يستطع المَهيب أن يُخفي ابتسامته الساخرة وقال: في أي شهر أنت؟ رد الغبي بحياء: أنا في الشهر السادس ياسيدي، حدق مُحدثه به طويلاً قبل أن يقول بصوت يُخالطه الهزل: ستقوم بالسلامة لا تقلق سأرسلُ في طلب أمهر أطباء بابل لك، همس الغبي: لكن يا سيدي سينكشف أمري.. قاطعه المَهيب: دع عنك هذه الوساوس، إن من يعملون في خدمتنا لا يبوحون بأسرارنا وإلا كان مصيرهم القتلُ كما تعلم..سكت قليلاً ثم أكمل: عندما يأتي الطبيب سننقلك إلى غُرفةٍ أخرى وضع وسادة على وجهك لتُخفيه، سآمر بعض العمال بحملك إلى الآن إليها ومن ثم إلى عرشك، فهناك وفد سيصلُ قبل منتصف النهار ويجب أن تحضر هذا اللقاء، فهم ذوي مناصب رفيعة ولا بدّ لملك البلاد أن يكون حاضراً، قال الغبي: ألا يُمكنك يا سيدي أن تُعفيني من ذلك؟ صاح به المَهيب غاضباً: يمكنني أن أُعفيك ولكن من منصبك إلى القبر، شعر الغبي بالآم رهيبة في ظهره وأحس بتقلصات شديدة في الرحم، أمسك ببطنه مُتأوهاً، اقترب منه المَهيبُ وصفعه على وجهه قائلاً: ألا زلت تريدُ أن أعفيك من مهامك أيها الحمار؟ همهم وهو يجز على أسنانه ألما وقال: لا ياسيدي، أنا تحت أمركم دائما، سأغير ملابسي لأستعد لاستقبال الوفد...نهض ببطء مُتألماً لكنه شعر بالدوار فجأة وسقط على الأرض مغشياً عليه.. فتح الغبي عينيه لمح الطبيب واقفاً بجوار الرجل المَهيب يتحدثان بصوت هامس، نظر حوله ولحظ أن قدميه مُرتفعتان وقد وُضعت تحتهما عدة وسائد، اعتدل وهو يُخفي وجهه بشالٍ حريري وقال بصوتٍ لا يكاد يُسمع: أيها الطبيب، أخبرني هل جنيني بخير؟ التفت إليه الرجلان واقتربا منه، قال الطبيب: نعم يا سيدتي اطمئني الجنين بخير، لكنكِ يجب أن تلزمي فراشكِ فلا تُغادريه إلا إن اضُطررتِ، وإلا فستفقدي حملكِِ، وقد وصفتُ لخادمكِ بعض الأعشاب المُهدئة التي تُخفف انقباضات الرحم، يجب أن تُكثري من شُربها كل يوم ثلاث مرات، هذا هو العلاج الوحيد لحالتكِ، شكره الرجل المهَيب وسار به إلى خارج الغُرفة، عاد بعد دقائق وقد قطبّ جبينه أغلق الباب خلفه وقال غاضباً: عليك اللعنة أيها الغبي، سأُضطر إلى مقابلة الضيوف وحدي سأعلن أنك قد ذهبت على رأس جيش لمُحاربة الفُرس، قال الغبي بصوته الأنثوي: اُعذرني يا سيدي، فما حدث ليس بيدي.. قاطعه قائلاً: إخرس حلت عليك اللعنة، دعني أفكر في عمل لك تستطيع عمله راقداً.. سأخرج الآن لمُقابلة الوفد ثم أعود .. وتمتم ضاحكاً: إليكِ .
مجد خلف
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق