يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الجمعة، 25 يوليو 2014

الحلقة التاسعة من قصة "الغبي يحكم بابل"


عاد الغبي إلى ضيوفه وجلس بجوار عروسهُ الجميلة، يتابعُ بعينيه الضيقتين الحبر إليشع وهو يتحدث إلى رجل تبدو عليه علامات الثراء والوجاهة، تمتم في نفسه: تُرى ماذا يقول له؟ هل يتحدثان عني؟ التقت عيناهُ بعيني الحبر، فأشاح بوجهه عنه مُتظاهرا بالحديث إلى عروسه، اقتربَ منهُ العاملَ ربيع يهمسُ في أُذنه: لقد انتهينا من إعداد المائدة، فهلا دعونا الضيوف للتوجه إلى غُرفة الطعام، هز الغبي رأسه موافقا وقف مُمسكا بيد عروسه الرقيقة، يتقدمُ ضيوفهُ نحو المأدبة العامرة بأطايب المأكولات وزجاجات النبيذ الفاخر، تبعهُ الجميع يتغامزون ويتحدثون فيما بينهم عن جمال العروس وقُبح العريس، وجلسوا بعد جلوس الغبي حول المائدة الكبيرة وقد خفتت أصواتهم، أقبل الحبر إليشع نحوه مُبتسماً وقد حمل بين يديه تمثالا ذهبي اللون؛ يشبه إلى حد كبير ملامح الغبي، وقال له مُهنئاً بصوت هامس: هذا التمثالُ هديتي إليك إنهُ من الذهب الخالص، هديةُ زفافك الميمون يا حبيبي، تناول الغبي التمثال وهو يتفحصه، وقد ازدادت دقات قلبه فرحا بهذه الهدية الثمينة، شكرهُ بصوت هامس قائلا: إنها هديةٌ رائعةٌ، لا أدري كيف أرُد جمائلك وأفضالك الكثيرة عليّ أيها الحبيب، اقترب الحبرُ بوجهه من الغبي وهمس في أُذنه: سأدعك تُقدمُ لي الشكر الليلة، فلا أستطيع أن أمكث هنا سوى ليلة واحدة، امتقع وجهُ الغبي هامساً: الليلة؟ والتفت إلى عروسه وأكمل: وهذه؟ همس الحبر: إن سميراميس من أتباعنا ولن ترفض أمرا لي أبدا، أليس كذلك أيتها العروس الجميلة؟ هزت سميراميس رأسها وقالت: السمع والطاعة لك أيها الحبر إليشع، مُرني فأُنفذ، قال الحبر هامسا: ستترُكين فراشك الليلة إلى غُرفة الضيوف، همست بدورها: أمرك أيها الحبر، التفت الغبي وقد ازداد امتقاعُ وجهه؛ وقال بصوت لا يكاد يُسمع: ولكن يا سيدي..قاطعهُ الحبر: سأنتظرك في غُرفتك، بعد أن ينصرف الضيوف هلّم إلي فورا. انصرف الضيوف وهدأ القصر إلا من أصوات العُمال الذين شرعوا في تنظيف غُرفة الطعام وردهات القصر الواسعة والحديقة، من الفوضى العارمة والأطباق الكثيرة، كان ربيع يوزعُ الأوامر يستعجلهم بإنهاء مهمتهم بهدوء كيلا يزعجوا العروسين، مدت سميراميس يديها تبحثُ عن عريسها وأمسكت بيده وقبلتها قائلة بصوت هامس: هيا أيها العريس الطيب إلى غُرفتك لا تجعله ينتظرُك كثيرا فتثيرَ غضبهُ عليك، سمعت نشيجهُ سألته: ما بك؟ رد الغبي بصوته الرفيع: لا شيء، هيا سأوصلك إلى غُرفة الضيوف ثم أذهبُ إلى غُرفتنا، همست له بدلال: سأكون معك غدا فلا تبتئس، لقد أخبرتني عشتار عن أكثر ما تُحب، سأدهنُ جسدك بالزيت المُفضل إليك بأناملي الساحرة، ابتسم كالأبله و قبلّ جبينها متمنياً لها أُمسية هانئة، واتجه نحو غُرفته مُمتقع الوجه وتمتم في سره: عليك اللعنة أيها الحبرُ القذر، لماذا الليلة؟ دلف بهدوء وجد الحبر مُرتدياً من الملابس أقلها، وما أن رآه حتى هبّ ناحيتهُ يحتضنهُ ويقبلهُ بنهّم ويُطربُ أسماعه بكلمات الحب والهيام، حتى نال منهما التعب مبلغهُ؛ وغرقا في نوم عميق. استيقظ الغبي على شعاع الشمس وقد ملأ الغُرفة ضياءً، تلّفت حوله فلم يجد الحبر بجواره، توجه نحو الحمام يبحثُ عنهُ فلم يجده، وقف كعادته أمام المرآة متذكرا تفاصيل ليلة الأمس ثم عاد إلى سريره. استيقظ على صوت دقات مُتتالية على الباب، هبَّ فزعاً وقال: أدخل، دخل العاملُ ربيع يحملُ صينية الإفطار بين يديه قائلا: اعذرني عظمتك لإيقاظك على هذا النحو، لكن الرجل المهَيب قد حضر؛ ويطلبُ مقابلتك فورا، شرب كوبه المُفضل من الأعشاب على عجل، وبدّل ملابسه وتوجه حيث ضيفه المُهم، قال له: صباحك مشرقٌ ياسيدي، لكن الرجل الَمهيب لم يرّدَ التحية وقال غاضباً: كيف تنامُ إلى مثل هذا الوقت أيها الغبي؟ ألم تدرِ بما حدث؟ تغضّن وجهُ الغبي فازدّاد قُبحاً إلى قُبحهِ وقال بصوته الأنثوي: ماذا حدث ياسيدي؟ أجابهُ: هناك احتجاجاتٌ قام بها جماعةٌ من أتباع الملعون نبوخذ نصّر؛ تُطلقُ على نفسها (إخوان آّنو)، إنهم الآن معتصمون في المعبد الأبيض الُمدرج في مدينة (الوركاء )، ستذهب فوراً لعقد اجتماع مع رئيس شرطة بابل؛ وتُصدر أوامرك إليه بإخماد هذه الاحتجاجات بكل السُبل ومهما كانت الخسائر، ومُره أن يكونَ رجالهُ وكل أعوانه مُلثمين يغطون وجهوهم كيلا يعرفهم أحد من أهل بابل، رددّ الغبي كا لببغاء: أمرك يا سيدي، سأنفذُ ما أمرتني به بكل حذافيره، لكن اُعذرني ياسيدي فلم أفهم لماذا يجب أن يخفوا وجهوهم؟ قهقه الرجل المَهيب قائلًا: سأقول لك وإن كنتُ مُتأكداً أنك لن تفهم، إن عدم معرفة من هم القتلة سيُدخل بابلَ في حرب أهلية لطلب الثأر، فكلُ من ماتَ لهُ عزيز، سيكونُ له ثأرٌ مع جهاز الشرطة، لكنهم لن يعرفوا من هو القاتل تحديداً، وهذه هي غايتنا؛ لا أظنك فهمت، المهم اذهب حالًا لتنفذ الأمر، لا أريد أن اسمع باسم هذه الجماعة مرةً ثانيةً هل فهمت؟ أجاب الغبي بصوته الأنثوي: أمرك يا سيدي، سأذهبُ من فوري، لكن من هذه..؟ قاطعهُ الرجل المَهيب قائلًا: ألم أقل لك أيها الحمار أنه ليس من حقك أن تسأل، أنت تُنفذ فقط دون أن تفهم، ارتعدّ الغبيُ وطأطأ رأسهُ بذلةٍ قائلًا بصوت مُتحشرج: السمعُ والطاعةُ لك ياسيدي، قال الرجلُ المَهيب: بعد إصدارك لهذا القرار سيتمُ تنصيبك رسمياً لمُلك بابل، انحنى الغبي حتى كاد رأسهُ يُلامسُ حذاء مُحدثه، واعتدل قائلًا بصوته الرفيع: أنا تحت أقداكم يا سيدي، عبدٌ لكم وسأبذلُ كل جُهدي كي أكون عند حُسنِ ظنكم بي. مرّت خمسةُ أشهر عقد فيها الغبيُ مع رئيس شرطة بابل لقاءاتٍ عديدة، وزفّ إليه رئيسُ شُرطته في آخر اجتماعٍ لهما أن رجاله المُلثمي؛ن جابّوا الديار داراً داراً، حتى استطاعوا إخماد احتجاجات إخوان آّنو، بعد أن ذبحوا منهم الآلاف، وأخبرهُ بقلقٍ عن فرار الباقين ممن نجوا إلى المدن الُمجاورة، للنجاة بأنفسهم وعائلاتهم من الموت ذبحاً أو حرقاً، هنأه الغبي وقلده وشاح مدينة بابل في حفل رسمي وأوصاهُ بسرعةِ القضاء على الفارّين. عاد إلى غُرفته بعد انتهاء الحفل وهو يشعرُ بآلامٍ مُبرّحة، غسل وجهه ونظر إلى المرآة فطالعهُ وجههُ المُمتقع وقد ازدّاد قُبحا، أمسك الجرس المعدني وقرعهُ بشدةٍ عدةَ مراتٍ، جاءهُ ربيع على عجلٍ: أوامرك سيدي.. أجابهُ بصوتٍ واهن: أشعرُ بألم شديد في ظهري وبطني، إستدعِ طبيبَ القصر أسرع.. غادر ربيع ليعود بعد قليل بصحبة الطبيب، استلقى الغبيُ على سريره كما طلب منهُ الطبيب، سألهُ: ممَّ تشكو يا مولاي؟ أجابهُ الغبي: أشعرُ بالغثيان منذ يومين ، أما آلام الظهر والبطن فقد فاجأتني اليوم، لا أستطيعُ الوقوفَ من الألم، قلْ لي أيها الطبيب ماذا ألّم بي؟ لم يُجبهُ بل طلبَ منهُ أن يخلعَ ثوبهُ ليكشفَ عليهِ، فحصَ بطنهُ ثم ظهرهِ فلم يصل لشيء طلبَ منهُ نزعَ كلَ ملابسهِ لاستكمالِ الفحص، نظر الغبي إلى ربيع وأمرهُ بالخروج من الغُرفة، وخلع ثيابه واستلقى على السرير، شهقَ الطبيبُ بصوتٍ خافتٍ لكنهُ لم ينبسَ بحرف. مرت ساعةٌ؛ غادرَ بعدها الطبيبُ غُرفة الغبي وقد بدتْ على وجههِ علاماتُ الذهولِ، كان الرجلُ المَهيبُ في انتظارهِ، همسَ له: أظنُ يا سيدي أن الملكَ حاملٌ، دقائقٌ وقفا فيها يتبادلان حواراً قصيراً انصرفَ بعدهُ الطبيب، أشار الرجلُ المِهيب إلى أحدِ أعوانهِ إشارةً يعرفُها جيداً؛ علّت في رُدهات القصرِ صيحاتُ العمالِ وولولةُ العاملاتِ؛ حين شاهدوا طبيبَ القصر ِ وقد خرّ صريعاً وتضّرجتْ دماؤهُ؛ أثناء عبورهِ البوابة.. ألقى مجهولٌ على رأسهِ حجراً كبيراً كسر َ رأسهُ.

مجد خلف

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

تطوير : مدونة حكمات